الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
62
تفسير روح البيان
فيقولون يا ربنا وما ذاك الذي بقي فيقول دوام رضاى عليكم فلا أسخط عليكم ابدا ) فما أحلاها من كلمة وما ألذها من بشرى فبدأ سبحانه بالكلام خلقنا فقال كن فأول شئ كان لنا منه السماع فختم بما به بدأ فقال هذه المقالة فختم بالسماع وهو هذه البشرى لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ اى لمواعيده الواردة في حقهم إذ لا خلف لمواعيده أصلا وفي التأويلات النجمية لا يتغير أحكامه الأزلية حيث قال للولي كن وليا وللعدو كن عدوا وكانوا كما أراد للحكمة البالغة فلا تغير لكلمة الولي وكلمة العدو ذلِكَ التبشير هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ الذي لا يصل إلى كنهه العقول وكيف لا وفيه سعادة الدارين اعلم أن الولاية على قسمين عامة وهي مشتركة بين جميع المؤمنين كما قال اللّه تعالى اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وخاصة وهي مختصة بالواصلين إلى اللّه من أهل السلوك والولاية عبارة عن فناء العبد في الحق والبقاء به ولا يشترط في الولاية الكرامات الكونية فإنها توجد في غير الملة الاسلامية لكن يشترط فيها الكرامات القلبية كالعلوم الإلهية والمعارف الربانية فهاتان الكرامتان قد تجتمعان كما اجتمعتا في الشيخ عبد القادر الكيلاني والشيخ أبى مدين المغربي قدس اللّه سرهما فإنه لم يأت من أهل الشرق مثل عبد القادر في الخوارق ومن أهل الغرب مثل أبى مدين مع مالهما من العلوم والمعارف الكلية وقد تفترقان فتوجد الثانية دون الأولى كما في أكثر الكمل من أهل الفناء . واما الكرامات الكونية كالمشي على الماء والطيران في الهواء وقطع المسافة البعيدة في المدة القليلة وغيرها فقد صدرت من الرهابنة والمتفلسفة الذين استدرجهم الحق بالخذلان من حيث لا يعلمون كما سبق في سورة البقرة عند قوله تعالى ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً الآية . والنبوة والرسالة كالسلطنة اختصاص الهى لا مدخل لكسب العبد فيها . واما الولاية كالوزارة فلكسب العبد مدخل فيها فكما يمكن الوزارة بالكسب كذلك يمكن الولاية بالكسب وفي الحقيقة كل منهما اختصاص عطائي غير كسبى حاصل للعين الثابتة من الفيض الأقدس وظهوره بالتدريج بحصول شرائطه وأسبابه يوهم المحجوب فيظن انه كسبى بالتعمل فأول الولاية انتهاء السفر الأول الذي هو السفر من الخلق إلى الحق بإزالة التعشق عن المظاهر والأغيار والخلاص من القيود والأستار والعبور على المنازل والمقامات والحصول على المراتب والدرجات وبمجرد حصول العلم اليقيني للشخص لا يلحق باهل المقام لأنه انما يتجلى الحق لمن انمحى رسمه وزال عنه اسمه ولما كانت المراتب متميزة قسم أرباب هذه الطريقة المقامات الكلية إلى علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين فعلم اليقين متصور الأمر على ما هو عليه وعين اليقين بشهوده كما هو وحق اليقين بالفناء في الحق والبقاء به علما وشهودا وحالا لا علما فقط ولا نهاية لكمال الولاية فمراتب الأولياء غير متناهية والطريق التوحيد وتزكية النفس عن الأخلاق الذميمة وتطهيرها من الأغراض الدنيئة فمن جاهد في طريق الحق فقد سعى في الحلق نفسه بزمرة الأولياء ومن اتبع الهوى فقد اجتهد في الالتحاق بفرقة الأعداء والسلوك الإرادة لأجل الفناء فان المريد من يفنى إرادته في إرادة الشيخ فمن عمل برأيه امرا فهو ليس بمريد : وفي المثنوى مكسل از پيغمبر أيام خويش * تكيه كم كن بر فن وبر كأم خويش